عبد الرزاق اللاهيجي
17
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام
البرهان الثالث : عدم الانقسام آية التجرّد الانقسام والتجزّؤ من آثار المادة ، غير المنفكّة عنها ، فكلّ موجود مادّي خاضع لهما بالقوة ، وإذا عجز الإنسان عن تقسيم ذلك الموجود ، فلأجل فقدانه أدواته اللازمة . ولأجل ذلك ذكر الفلاسفة في محلّه ، بطلان الجزء الذي لا تتجزّأ . وما يسمّيه علم الفيزياء ، جزءا لا يتجزأ ، فإنّما هو غير متجزّئ بالحسّ ، لعدم الأدوات اللازمة ، وأمّا عقلا فهو منقسم مهما تناهى الانقسام ، لأنّه إذا لم يمكن الانقسام ، وعجز الوهم عن استحضار ما يريد أن يقسّمه - حتى بالمكبّرات - بسبب صغره ، يفرض العقل فيه شيئا غير شيء ، فحكم بأنّ كل جزء منه يتجزّأ إلى غير النهاية ، ومعنى عدم الوقوف أنّه لا ينتهي انقسامه إلى حدّ إلّا ويتجاوز عنه . « 1 » ومن جانب آخر ، كلّ واحد منّا إذا رجع إلى ما يشاهده في صميم ذاته ، ويعبّر عنه ب « أنا » ، وجده معنى بسيطا غير قابل للانقسام والتجزّي ، فارتفاع أحكام المادة دليل ، على أنّه ليس بمادّي . إنّ عدم الانقسام لا يختص بما يجده الإنسان في صميم ذاته ويعبّر عنه ب « أنا » ، بل هو سائد على وجدانياته أيضا من حبّ ، وبغض ، وإرادة ، وكراهة ، وتصديق ، وإذعان . وهذه الحالات النفسانية ، تظهر فينا في ظروف خاصة ، ولا يتطرق إليها الانقسام الذي هو من أظهر خواص المادة . إعطف نظرك إلى حبّك لولدك ، وبغضك لعدوك فهل تجد فيهما
--> ( 1 ) . لاحظ شرح المنظومة ، للحكيم السبزواري : 206 .